اكيتو … عيد راس السنة البابلية الاشورية

اكيتو … عيد راس السنة البابلية الاشورية

 

كتب الباحث الاثاري الدكتور حكمت الأسود في موقع العراق في التأريخ عن عيد “أكيتو”:

يشير هذا العيد الى السنة الجديدة او عيد بداية السنة الجديدة، اذ يعود الاحتفال بعيد راس السنة الجديدة الى عصور مبكرة من حضارة بلاد الرافدين، فقد وردت اشارات في النصوص المسمارية الى ان هذه الاحتفالات كانت معروفة في المدن العراقية القديمة في حدود منتصف الالف الثالث ق.م في مدينة اور واصبحت شائعة في كل بلاد بابل وآشور في نهاية العصر البابلي القديم (2000 – 1500 ق.م ) واستمرت على نحو متواصل حتى القرن الثاني ق.م.

تعتبر الاحتفالات بالسنة الجديدة (الاكيتو) واحدة من اكثر الاعياد والمهرجانات الدينية الاجتماعية الشعبية قدما وعالمية والتي كان يشارك فيها الالهة والملك وجماهير المدينة ، ومن اوسع التقاطعات عبر الثقافات والعصور، حيث تؤشر الاحتفالات والملاحظات الطقسية مرور الفصول او عودة الشمس، وقد كان يحتفل بعيد اكيتو في العصر السومري طبقا للدورة النباتية لموسم الحصاد والبذار وكلاهما كان يؤشر بداية السنة . وقد جرت العادة على اقامة الاحتفال بعيد الاكيتو كل عام حسب التوقيت البابلي القمري في الاول من نيسان وابتداء من العصر البابلي القديم.

مدة الاحتفال بعيد اكيتو:

يجب ملاحظة مسالة التوقيت بعيد اكيتو فيما له علاقة باستمرارية مدته وكذلك تخصيص الفعاليات لكل يوم من ايام العيد، فالنصوص السومرية المبكرة تتحدث بالتفصيل عن عيد اكيتو وتذكر بانه لم يكن يستمر دائما (12 يوما)، فالبعض منها يكشف عن المدة بين (5 – 7) ايام ، بينما توضح شواهد النصوص البابلية في الالف الاول ق.م بان احتفالات اكيتو تبدأ في الاول من نيسان حتى الثاني عشر منه، بينما كان عيد الاكيتو في اوروك (الوركاء) خلال شهر Nisannu و Tisritu يستمر (11 يوما) وعليه فان التحليلات التقليدية لا تزال فعالة، فالروية البابلية للعيد تستمر على الاقل (11 يوما) وربما (12 يوما) ، ومن خلال ملاحظة مدة العيد الطويلة التي تستمر 11 – 12 يوما يبرز السوال المنطقي، لماذا مثل هذا العيد الطويل ، وهناك عدد من الاجوبة لهذا السوال :

– ان الرقم (12) هو رقم رمزي في النظام الستيني sexagesimal لعلم الرياضيات البابلي، هذا النظام المرن الذي يعتمد على اس العدد (60) من حيث قابليته للتحليل الى عوامل عديدة اكثر من أي نظام عددي آخر معروف.
– يعتقد البعض ان بداية عيد اكيتو في حضارة بلاد الرافدين كانت على علاقة معقدة مع التقويم القمري وارتباطه مع اله القمر( نانا/ سين )حيث ان الفترة الزمنية ال (12 يوما او 11 يوما) لاكيتو ترتبط بطريقة معينة باصولها كعيد قمري، حيث تسمح هذه المدة الواسعة من الوقت لكي يكتمل القمر دورته من القمر الجديد لينمو الى القمر الاكبر وبهذا فهو يرمز الى الاله ( اله القمر ) .
– فسر البعض رمزيا مدة عيد اكتو البالغة (12 يوما) بانها تساوي اشهر السنة الاثني عشر، فكل يوم كان يقابل شهرا واحدا مرتبطا بالسنة الجديدة، ويرتبط الرمز الكامل بالمفهوم الاسطوري للاشهر الاثني عشر للخصوبة والوفرة، ومفهوم مشابه يرتبط بالاعياد الشهرية باساطير النجوم والابراج، وان تفسير برجي واحد يفترض ان عيد راس السنة في شهر Tišritu كان يرتكز على حكم الارواح في العالم السفلي مع رمز البرج لشهر برج الميزان.

المعاني الرمزية لعيد أكيتو:

لقد فتن عيد اكيتو الخيال الديني لشعب حضارة بلاد الرافدين لاكثر من 2500 سنة لانه كان غنيا علي نحو غير اعتيادي بالطقوس والرموز الدينية والاسطورية والاجتماعية والسياسية، وتكمن قوة أي طقس في فعالية رموزه ومحتواه الاجتماعي وقابليته على التغيير.

كانت حوادث العيد ومن ضمنها الموكب الرائع للملك والالهة الذي يجول عبر المدينة يكتمل مع العطل العامة للناس، وتكتمل بالعبادة والاضاحي وكانت بالتاكيد ذا تاثير اجتماعي هائل للمواطنين في بابل، كما كان الاكيتو مناسبة رائعة لزيادة فرحة الملك وهو يتباهى بثروته وانجازاته في الحرب والحملات العسكرية وبالاسرى والغنائم من مواطني الامم المخضوعة التي كانت تشترك بالموكب، كما كان الملك بنفس الوقت يحاول ان يعرض قوته وهيبته وسيطرته من خلال هذا الاحتفال المهيب مقرونا باثارة المشاعر الدينية وتذكير الناس بانه ممثل الاله على الارض. ونحن نعرف ايضا من مصادر غير مباشرة ان احتفالات اكيتو كانت فرصة للمرح والفرح واقامة العلاقات الاجتماعية والغرامية ، كما كانت طقوس اكيتو تتبنى التكافل من خلال تقديم الطعام والشراب والولائم حيث كانت المعابد توزع اللحم ومواد غذائية اخرى لاعضاء الجماعة حيث يستمتع المواطن المتوسط الحال والفقير باللحم ووسائل الترف الاخرى .

وهناك ملاحظات ضرورية لكي نفهم الاكيتو مع كل طقوسه المقدسة، فمن المهم ان نحلل توقيت الحوادث خلال فترة العيد، وتاسيس مواقع المعابد البابلية والمزارات وبيت اكيتو وملاحظة الممثلين الذين يقومون بادوارهم خلال العبادة الشخصية، والالهة المختلفة لمجمع الالهة البابلي، والملك الذي كان مفتاح المشاركة لهذه الحوادث :

– كانت الطقوس اليومية تبدأ بوقت مبكر بينما لا يزال الظلام مخيما على الارض عندما ينهض الكاهن الاكبر (شيشكالو sesgallu) كل يوم وهو يحيي الشمس المشرقة عند الفجر ، وان الحدث اليومي لظهور الشمس ونجوم اخرى في الافق هو امر مهم جدا، وقد سجل في الملاحضات الفألية والفلكية، ولوحظت الفترة المظلمة بين منتصف الليل والفجر كفترة متعلقة بعتبة الشعور. كاهن الشيشكالو لا يستطيع ان يفوز بالامر وان يقود شروق الشمس ويفرض سيطرة افضل على الحوادث طوال النهار الا بواسطة النهوض قبل الشروق عندما تكون الظلمة لا تزال سائدة ، هذا الصمت الكوني العظيم الذي يشعرك بالرهبة والرغبة في التواصل الالهي والانساني على الارض وفي المعبد ، وقد تحدثت النصوص السلوقية الخاصة بشهر Tašritu عن ما يعرف بـ dik biti أي (ايقاض المعبد) ذلك الاحتفال الذي كان يحدث عند الفجر وقبل ان تفتح البوابات في اليوم السابع من dik biti والتي كانت تنجز من قبل كاهن الرثاء (كالو) وكاهن الغناء (نارو) بصوتهما الشجي الحزين، وبعدها يجب ان تفتح الوابات حتى انتهاء العبادة الشخصية، انه رمز الاهمية كل يوم . وان اوقات النهوض لايام عيد اكيتو تبدا في اليوم الاول عند الساعة السادسة فجرا، وفي اليوم الثاني عند الرابعة فجرا، والثالث عند الساعة 20/3 فجرا بينما يبدا الاحتفال الثاني في الساعة التاسعة عندما تكون الشمس في منتصف الطريق في نقطة ذروتها، واليوم الرابع عند الساعة 40 /2 فجرا، وفي اليوم الخامس عند الساعة الثانية فجرا. بينما يبدا آخر طقس من اليوم حوالي 40 دقيقة قبل المغيب وينتهي عندما تكون الشمس في الافق، بعدها يخيم الظلام على البلاد وتغلق بوابة المعبد .

– نحن نعلم استنادا الى النصوص القانونية والاقتصادية ان المحافظة على المعبد والقصر في أي وقت يتطلب كميات ملحوظة من الريع. وقد ضم الايراد الحكومي فقرات مثل الجزية، الغنيمة، الهدايا الخاصة بمالكي الارض، الفعاليات المضمونة، بيع الرقيق، تقدمة المعابد، والعديد من الضرائب (التي كانت تدفع من الفضة في نهاية الالف الاول ق.م).

– وكانت السنة الجديدة الوقت الملائم لمدينة بابل لتصفية الحسابات حيث تصبح قروض المعبد مستحقة في ذلك الوقت من السنة الجديدة، ويخبرنا احد النصوص من بورسيبا مايلي: (في وقت الربيع، سيدي الملك ارسل الحرس الشخصي بالاوامر التالية : القيام بحساب للثيران والاغنام العائدة الى نابو) . وكان احد الحالات المميزة هو اليوم المحدد لهذا الحساب، وهو اليوم السابع من nisannu الذي اعتبر يوم موازنة الحسابات (لعل نابو يثبت حسابات الملك سيدي الى الابد في سلسلة حياته). او كما جاء في احد النصوص (اليوم هو يوم السنة الجديدة، لعل بل/ مردوخ ونابو يحسبان ايام سيدي، لاجل النجاح وايامه لاجل الربح) .

– لقد سيطرت المعابد على الاقتصاد ومعاني الانتاج والتوزيع كما كانت المصارف في بلاد الرافدين القديمة، وكان المعبد بصورة عامة يتمتع بالربح خلال العيد بعدة اشكال، ربما كانت التقدمات تستمر حتى اليوم الاخير (اليوم الثاني عشر من العيد) ليس فقط من قبل المواطنين ولكن من قبل عدد من الزوار الموقورين، وبالتاكيد لا يوجد احد يزور الاله في عيد اكيتو من دون ان يقدم تقدمة، كما ان الموظفين الحكوميين والكهنة للمدن المجاورة الذين يعنون بالثراء الاكيد للسنة القادمة سوف يقدمون الهدايا والجزية الى الاله مردوخ بهذه المناسبة .

كما اشارت بعض النصوص الى تعامل الملوك مع آلهتهم سواء من خلال تخليدهم ببناء معبد او اعادة ترميمه او ايقاف مزارع وارض يخصص ريعها لادامة نشاط المعبد وجمع (الخمس) وتقديم القرابيين والنذور في مناسبات معينة من السنة كرأس السنة البابلية (الاكيتو) او عند مرور حملة الملك من معبد احدى المدن الواقعة على طريق الحملة ، والخمس هو ما يجب على حكام المقاطعات دفعه للمعابد الرئيسية وخصوصا في العصر الاشوري الحديث وتحديدا في مدينة آشور، ويتضمن هذا الخمس الحاصلات الزراعية كالحبوب والطحين والتبن والثروة الحيوانية كالقرابين المقدمة الى معبد آشور.

– كان مردوخ الاله الرئيس لمدينة بابل يتعرض للموت لمدة يوم او يومين من ايام عيد راس السنة البابلية وكان يختفي خلال تلك المدة في موضع يشار اليه باسم (جبل خرشانو) وهو من اسماء العالم السفلي. وفي اثناء غيابه ياخذ الناس بندبه والبحث عنه بلهفة وجزع ويقوم ابنه الاله نابو وهو الاله الرئيس لمدينة بورسيبا وزوجته الالهة بيليه – بلبيلي (صربانيتم) بالبحث عنه بحسب ما يرد في النص البابلي، وبعد انتهاء تلك المدة يتمكن مردوخ من الخلاص من سجنه ويعود الى مدينة بابل وتعم الفرحة بعودته وتقام الاحتفالات بذلك.

يتبين من هذا النص ان احتفالات راس السنة البابلية كانت تحتوي في فقراتها على تمثيلية اخراج الاله نابو لوالده الاله مردوخ من جبل العالم الاسفل. وان اليوم الذي تجري فيه هذه التمثيلية يكون يوما عصيبا على السكان اذ يحزن فيه الناس ويضربون بعضهم بعضا حتى تسيل دمائهم مثلما سال دم الاله مردوخ عندما اخذ الى العالم الاسفل حيث قامت عندها سيدة بابل التي كانت ترتدي في ظهرها الصوف الاسود وعلى صدرها صوف ملون ومسحت بيديها الدم السائل من قلبه. وقد ذكرت لنا النصوص بعض الاحتفالات التي كانت ترتبط باحتفال عيد اكيتو الذي يصادف في فترة الخريف والتي لم نعرف عن مضمونها شيء، ولكن يمكن ان يرتبط بعضها بمسالة اختفاء الاله مردوخ فب العالم الاسفل. وهذه الاحتفالات هي:

احتفال البكاء الكثير
احتفال البكاء الكثير والتجول في المدينة
عيد المشاعل او عيد المراثي

عن nawzad hakim