المرحوم الاب يوسف حبي ظاهرة غير مألوفة! بمناسبة مرور 18 سنة على وفاته 15/10/2000

المرحوم الاب يوسف حبي ظاهرة غير مألوفة!

بمناسبة مرور 18 سنة على وفاته 15/10/2000

البطريرك الكردينال لويس روفائيل ساكو

لقد عرفت المرحوم الاب يوسف حبي، وانا طالب في المعهد الكهنوتي بالموصل، وعرفته وانا كاهن 1974، وعملنا معا 26 سنة في خدمة الكنيسة الكلدانية وبلدنا العراق. وسافرنا معنا، واشتركنا في مؤتمرات عدة.. وقد تعلمت منه الكثير وطبع شخصيتي بسمات عديدة عشنا معا في مطرانية الموصل. وكان كلما تعب نذهب الى بيتنا العائلي في منطقة الساعة مع المرحوم الاب بطرس يوسف، وكنا نرتل ونغني لاسيما  ان صوت الاب بطرس يوسف كان رخيما وكذلك صوت والدي المرحوم بعكس صوتي، وكنا نتردد الى بيت والدته بقرب كنيسة شمعون الصفا للعشاء مع بعض أصدقائه. كما عملنا معا في التنشئة ببغداد هو كعميد كلية بابل للفسفة واللاهوت وانا كمدير للمعهد الكهنوتي 1997-2001. وكان عصرهما الذهبي عددا وتنشئة.  كان لكلانا نفس التوجه في خدمة الكنيسة وتجديدها وكانت الكنيسة هي القضية التي من اجلها كرسنا ذاتنا.

الأب حبي شخصية وظاهرة غير مألوفة في كنيسة العراق ومجتمعه. شخص ذكي، وجريء في طروحاته وله علاقات مع الجميع مسيحيين ومسلمين، رجالاً وسيدات، وجذب الكثير بثقافته “الموسوعية”، وبافكاره وأسلوبه غير المعتاد، ولم يضع حاجزاً امام أي شخص يطرق بابه.

الأب حبي شخص مثقف ومنفتح، إذ كتب في مجالات عديدة (أذكر مرة أنني قلتُ له، لو طُلب منك ان تكتب في الرمل لكتبتَ من دون احراج، فابتسم). عمِلَ في كنيسة مسكنته، ثم في كنيسة مار افرام في موصل الجديدة، وفي دهوك لفترة ما وأخيراً استقر ببغداد لتعيينه عميدا في كلية بابل للفلسفة واللاهوت. قام بتأسيس هذه الكلية مع مثلث الرحمات، البطريرك روفائيل الأول بيداويد، بالرغم من معارضة البعض. عمل عضواً في المجمع العلمي العراقي، وفي الهيئة السريانية، ودرّس الفرنسية في جامعة الموصل بالرغم من ان ثقافته إيطالية. كتب وترجم وحاضر بعدة لغات. ونشاطاته لا حصر لها  بالرغم من ضعف بصره. وعندما أجريت له عملية عيون في إيطاليا وعاد الينا من دون نظرات، قال فرحا: الان ولدت من جديد. كانت غرفته مليئة بالكتب، متروكة على الرفوف وعلى الأرض وعلى المنام وفوق مكتبه. من ناحية الترتيب، لم يكن مهتما!

اختلفنا أحيانا في وجهات النظر وفي الطباع وأيضا في الثقافة، نحن بشر مهما كانت درجتنا ولسنا ملائكة، نختلف مرات نتصايح، لكن ولا مرة زعلنا وتقاطعنا. أتذكر مرة تصايحنا بسبب مقال في مجلة الفكر المسيحي وتعصبت، فخرجت من عنده وبعد نصف ساعة جئته في غرفته وطلبت المعذرة وقبلته، فقال لي: لقد سبقتني. وعندما رشح نفسه للمجلس أيام صدام حسين، قلت له بصراحة هذا غير مناسب لك ككاهن وانا شخصيا لن  اصوت لك، فابتسم وقال لقد سجلت وصعب ان انسحب.

من المؤسف القول انه رشح مرتين للاسقفية، لكن بسبب علاقاته  وصداقاته وافكاره وانتقاداته لم يفز. الا ان هذا لم يوقفه عن نشاطه المتعدد.

وليلة سفره  دعاني مع  مجموعة من الأصدقاء الى العشاء عنده في كلية بابل، وكانت ليلة ممطرة، فتوسلت اليه الا يسافر وطلبت منه ان يبقى في كلية بابل لاسيما وان الدراسة بدأت، لكنه اصر على السفر للتدريس في المعهد الشرقي بروما.

ومن المؤسف اننا في اليوم التالي تلقينا خبر وفاته كالصاعقة اثر حادث مروري قرب الرويشد المدينة الأردنية على حدود العراقية. خسرنا هذه الشخصية الفذة، التي لم تتفهمه  كنيستنا، ولم تعطه مكانته وحقه. وان  كل ما حصل عليه هو بجهوده وشجاعته وقوة شخصيته. ويكفي ان بغداد كلها كنيسة وحكومة وشعبا اشترك في مراسيم تشييعه. اليوم وبعد مرور  18 سنة على وفاته، لايزال الاب حبي  حاضرا في كنيسة العراق وحيا في قلوب أصدقائه العديدين وهو يصلي من علياء سمائه من اجل العراق وكنيسته.

عن nawzad hakim