ليكن عيد نيروز (عيد الربيع العراقي) وجعله عيدا وطنيا يجمع القوميات والأديان والطوائف والمناطق

ـ ليكن (عيد نيروز) وعطلته الرسمية في العراق منذ 1971، مناسبة لأحياء (عيد الربيع العراقي) ومشاركة اخوتنا الاكراد، وجعله عيدا وطنيا يجمع القوميات والأديان والطوائف والمناطق. وفرصة للاحتفال بتخصيب الطبيعة بزرع النخيل والاشجار!

سورايا بريس / بقلم سليم مطر

ـ في 21 آذار من كل عام، ظل يحتفل به اسلافنا في (سومر وآشور وبابل)، خلال 3 آلاف عام قبل ان يتبناه الايرانيون(الاخمينيون) بعد احتلالهم بابل عام 539 ق.م ـ وسمّوه (نيروز ـ رأس السنة) وهي ترجمة فارسية حرفية لاسمه السومري(زغموك ـ Zagmuk) وبالأكدي(راس ستيم ـ rêš-šattim ، بالاضافة الى (أكيتو ـ الاحتفال). (جميع المصادر في النهاية)

ـ (21 آذار) حسب التقويم العراقي القديم(الشمسي ـ القمري) يكون اول نيسان (نيشانو بالاكدي) لآختلاف عشرة أيام بين الشمس والقمري. وهو يوم المنقلب الربيعي وأول ايام السنة حيث برج الحمل(برج تموز) سيد المياه والخصب الذكوري، الذي يُخصّب(عشتار) سيدة الارض والخصب الانوثي.

ـ في هذا اليوم اول الربيع، يولد(تموز – اله الخصب الذكوري) بعد تسعة اشهر من غيابه في ظلمات الارض(رحم الام)، ليأتي ويخصب(عشتار) الهة الارض والأنوثة، فتنبثق الحياة ويظهر الربيع. وكان عيدا شعبيا ودينيا ورسميا يدوم عشرة ايام. حول(ماردوخ ـ سيد الوضوح، أي سيد النور ) وابنه (نبو ـ النبي ـ الحكيم). وفيه الكثير من طقوس الفرح والبهجة وتخصيب الارض بدماء القرابين، وتوزيع الهدايا والمعونات. كذلك تزول فيه موقتا الكثير من الممنوعات القانونية مثل الفروق بين العبيد والسادة، ويتنازل الملك عن كبريائه ويعترف بأخطائه ويتلقى صفعة من (المرجع الديني الاعلى)! و تنظم مسيرة ضخمة في شارع الموكب حيث تشعل النيران لحراق دمى ملونة تمثل الشتاء الراحل(منها اخذ الايرانيون طقس اشعال النار في نيروز).

ـ قد تبنّاه الايرانيون(الأخمينيون) الذي كانوا اشباه بدو واميين تماما، بعد احتلالهم بابل مع الكثير من امور الحضارة النهرينية: اللغة الآرامية والكتابة المسمارية وديانة النجوم.

ـ بعد ثورتين بابليتين فاشلتين ضد المحتلين، عامي: (521 ، و482 ق.م )، تم الانتقام من السكان وقمع طقوسهم والقضاء التام على احتفالات هذا العيد الديني والوطني، وتحويله الى ايراني تماما باسم(نيروز)!

ـ انتشر هذا العيد باسمه الفارسي (نيروز) بين شعوب آسيا الآرية والتركستانية، التي خضعت للأمبراطوريات الفارسية(الاخمينية ثم البارثية ثم الساسانية).

ـ عندما اتى العرب المسلمون عرفوه باسمه الفارسي(نيروز). واحتفلت به الدولة العباسية وانتشر اسمه في العالم الاسلامي، وحتى اقباط مصر استخدموا اسمه، وقدُسه الكثير من ائمة المسلمين، وقال الشيعة ان فيه يظهر صاحب الزمان، ولهذا السبب تحتفل به الدولة الاسلامية الايرانية، دينيا ورسميا.

ـ ان الاحتفال بالربيع، عموما سائد بين الكثير من الشعوب. في بلدان الشام احتفل به باعتباره (عيد بعل). وفي مصر(عيد شم النسيم). في المسيحية واليهودية سمي بعيد(الفصح ) أي الطبيعة التي تفصح وتتفتح في الربيع. كذلك ( عيد القيامة) أي قيامة المسيح بعد صلبه مثل قيامة(تموز) وعودته إلى الحياة ليعود معه الربيع والخصب. ـ اما الشعوب التركستانية يحتفلون به باسم(ينكي كون – اليوم الجديد). اما العلوية والبكتاشية التركية، فيعتبرونه يوم ميلاد الإمام علي، كما أنه بالنسبة لهم أيضا يوم زواجه من فاطمة الزهراء(رض).

ـ اشقائنا الأكراد يحتفلون بنوروز باعتباره ذكرى انتصار(كاوه الحداد) على الملك الطاغية(الضحاك). لكن هذه الحكاية ليست كردية، بل ايرانية فارسية. وأول من ذكرها المؤرخ البغدادي (المسعودي)، ثم فصلها(الفردوسي) باعتبارها حكاية فارسية، ولم يذكر أي مؤرخ علاقتها بالاكراد. قد تبناها الاكراد حديثا في القرن العشرين، مع تقليد اشعال النار(المصدر في النهاية، لكاتب كردي عراقي).

احياء عيد الربيع العراقي
ان الخطوة الكبرى التي قامت بها النخب الايرانية ايام الشاه رضا بهلوي ثم ابنه، منذ اوائل القرن العشرين انها جعلت عيد نيروز احتفالا وطنيا رسميا واعادت احياء كل الاساطير الشعبية حوله رغم احتجاج رجال الدين. ثم اتت الدولة الشيعية الاسلامية لتتبناه ايضا.

ومن خلال التأثير الايراني تبنت النخب القومية الكردية هذا العيد في اوائل القرن العشرين واخذت من الايرانيين حكاية (كاوا الحداد) ونجحت بجعله عيدا قوميا كرديا.

اما نخبنا، فإنها للأسف، بسبب تجاهلها لتاريخنا وميراثات الطوائف والجماعات المختلفة، وبسب التعصب القومي العروبي الساذج ضد كل ما هو ايراني حيث ارتبط اسم هذا العيد بتسمية(نيروز)، فانها قد تجنبت الاقتراب من هذا العيد.

ـ لقد تبنت الدولة العراقية منذ الفترة الملكية هذا العيد باسم(عيد الشجرة) وجعلته عطلة رسمية. ولكنها لم تحاول اعطائه بعدا تاريخيا وتراثيا وشعبيا وربطه بتاريخ العراق وكذلك بعيد نيروز. فبقي للاسف عيدا حكوميا محدودا.

على الصعيد الشعبي يتم الاحتفال بهذا العيد في مختلف انحاء العراق باسماء وطقوس مختلفة، دون تشجيع ديني وحكومي ونخبوي: (عيد خضر الياس) لدى المسلمين والمسيحية واليزيدية، كذلك (عيد زكريا). و(عيد الفصح ـ القيامة المسيحي)، (عيد البنجة الصابئي)، وغيره. التيار الحزبي الآشوري العراقي والسوري، اعاد الاحتفال بهذا العيد في اول نيسان.

كذلك هناك “يوم المحيا” أي احياء الربيع بعد جماد الشتاء. ويسمى ايضا(يوم الكسلة) في البصرة، او(دورة السنة) او(عيد الدخول) و(يوم الخضر) وهو الشخصية الاسطورية الاسلامية التي يرتبط اسمها بالخلود والخصبة والخضرة(من اسماء تموز!).

الغريب ان الحكومة العراقية منذ اعوام السبعينات قد اقرت الاحتفال بعيد نيروز وجعله عطلة رسمية، ولكن كعيد كردي خاص، ولم تنتبه ابدا الى حقيقته العراقية الاصيلة. كذلك قبل سنوات بدأت محافظة نينوى تحتفل به رسميا باسم(اعياد الربيع).

إذن لنتفق نحن ابناء النهرين على يوم 21 آذار(عيد الربيع العراقي ـ نيروز) والتعريف بتاريخه العريق وإحياء بعض الرموز العراقية(السومرية الاشورية البابلية) وباحتفالات شعبية ورسمية. ليكن عيدا للمحبة والوحدة والخضرة. لنحتفل بالبيئة وبالطبيعة ونزرع فيه الاشجار والنخيل.
ــــــــــــــ
المصادر:
ـ عن اقتباس(نيروز) من بابل، هنالك الكثير من الدراسات العربية التي تفصل هذه المسألة. ويكيبديا العربية قد مرت سريعا على دور بابل! ولكن ويكيبيديا الانكليزية تفصل هذا.
ولتسهيل الامر عليكم ضعوا في الانترنت بالعربي: نيروز بابل. او بالانكليزي: nowruz babylon لتظهر لكم الكثير من الدراسات العربية او الانكليزية التي تفصل دور بابل في هذا العيد.
ـ عن تبني الاخمينيون (وبعدهم البارثيون ثم الساسانيون) لحضارة بابل وكتابتها المسمارية ولغتها الآرامية، طالع:
مختصر تاريخ العراق (تاريخ العراق القديم) 1-6 ج
https://urlz.fr/9b14
بالاضافة مصادر الانكليزية عديدة:
ـ (S. A. Pallis, The Babylonian Akitu Festival, Copenhague, 1926 ; La Fête babylonnienne de l’akitu).
ـ عن عيد الربيع العراقي ـ اكيتو Akitu طالع:
– P. Villard, « Akîtu », dans F. Joannès (dir.), Dictionnaire de la civilisation mésopotamienne, Paris, 2001, p. 20-22
– J. Bottéro, La plus vieille religion : en Mésopotamie, Paris, 1998

ـ عن تفاصيل اقتباس الاكراد حديثا (حكاية كاوا الحداد) و(اشعال النيران) من الايرانيين، طالع مقالة الكاتب العراقي الكردي (هلكوت حكيم) في جريدة الحياة(26 مارس 2000) :
http://www.alhayat.com/article/1038998

ــــ لمن يرغب بمعلومات شاملة ومتنوعة عن هذا العيد واعياد الربيع في العالم، ليضع احدى الكلمات التالية في مبحث كوكل: عشتار وتموز/ تموز وعشتار/عيد الربيع العراقي/اكيتو/اكيتو حجتو/نيروز/عيد الشجرة العراقي/خا بنيسان ـ الاول من نسيان/عيد المحيا/الخضر/المهدي المنتظر/ شم النسيم..الخ..

عن nawzad hakim